شارك معي المهندس عبدالرحمن منشوراً قيماً كتبه حول الكتابة التقنية باللغة العربية، وقد طرح فيه عدة تساؤلات جوهرية. سأحاول أن أستعرض معكم طرحه الذكي والذي أراه كافياً وشافياً، إلا أنني أحببت التعليق على ما جاء فيه من باب إثراء هذا الحوار المعرفي، واختتام المنشور بإضافة بعض النقاط التي تلامس الواقع التقني.
بدأ المهندس عبدالرحمن منشوره متسائلاً:
هل يمكن أن تدخل اللغة العربية مجال هندسة البرمجيات؟
أم أن هذا المجال لا يُفهم ولا يُدرَّس ولا يُمارَس إلا باللغة الأجنبية؟
وعندما نتحدث عن “الإمكانية”، فإن اللغة العربية تعد من أكثر اللغات مرونة واستيعاباً للمصطلحات، وهو ما يؤكده علماء اللسانيات. لكن الواقع يفرض عوائق جعلت الأستاذ والطالب يحجمان عن اعتمادها. وصراحة، فإن استنتاج العوائق ليس بالأمر الصعب؛ فالأستاذ لا يُدرّس بالعربية ولا يطرح مصطلحاتها، بل يكتفي بالفرنسية أو الإنجليزية، مما يدفع الطالب بدوره لمواصلة نفس الأسلوب، ليصبح حضور العربية في هذا المجال أمراً غير مألوف.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لا نُدرّس بالعربية حتى يتبنى الطلاب نفس المنهجية؟
هذا السؤال يقودنا مباشرة إلى معضلة جديدة، وهي “تعددية المصطلحات”. فالإشكالية اليوم ليست في عقم العربية عن التوليد، بل في أن المقابل الأجنبي الواحد أصبح له أكثر من مرادف عربي.
وفي هذا السياق، ينقسم المهتمون إلى فريقين:
- الفريق الأول: يرى في التعددية مشكلة حقيقية، مستنداً إلى التعريف الصارم للمصطلح العلمي، والذي يقتضي وجود مقابل واحد محدد وموحد في السياق ذاته منعتً للّبس.
- الفريق الثاني: يرى أن التعددية ظاهرة صحية لا بأس بها. ولقد حظيت بفرصة نقاش هذا الرأي مع أحد الدكاترة المهتمين بالمخطوطات في المجلس الأعلى للغة العربية، حيث شاركني وجهة النظر هذه، ودليله التاريخي أنه في العصر العباسي، كانت مدرستا البصرة والكوفة في قمة نشاطهما العلمي، وكانتا تعتمدان مصطلحات مختلفة، ولم يؤثر هذا التباين مطلقاً على قوة الإنتاج والتطور العلمي آنذاك.
ومع ذلك، وجب الإشارة إلى أن مشكلة التعددية في عصرنا الرقمي قد تنتج عنها “أزمة تواصل”. بمعنى أبسط: تخيل أنني أعرب المصطلح X إلى “أ”، وتُعربه أنت إلى “ب”؛ عندما يقرأ طلابي كتابك أو يستمعون لمحاضرتك، لن يفهموا مقاصدك وسيجدون المصطلحات غريبة ومبهمة.
ولحل هذا الإشكال عملياً، هناك طريقان:
- الطريق الأول: حصر كافة المصطلحات الموجودة وتدريسها للطلاب، ليكونوا على دراية بالبدائل المختلفة التي قد تصادفهم.
- الطريق الثاني: أن تتوحد جميع الدول العربية على معجم واحد، وهو أمر أشار بعض الدكاترة إلى أنه يقترب من المستحيل.
ومن هذه النقطة بالذات، انطلقنا مستعينين بالتقنيات الحديثة؛ حيث قمنا بمسح المعاجم المتوفرة في مجال المعلوماتية كبداية، وخرجنا بمشروع يسعى لحل هذه الإشكالية عبر الاعتماد على خوارزمية رصد المصطلح الأكثر استعمالاً وشيوعاً للخروج بمصطلح موحد يفرضه الواقع المعرفي.
ويواصل المهندس عبدالرحمن منشوره فيقول:
في رأيي، المشكلة ليست في العربية، بل في طريقة تعاملنا معها.
صحيح أن هندسة البرمجيات مجال عالمي، وكثير من مصطلحاته ومراجعه وأدواته باللغة الإنجليزية:
Software Architecture, Design Patterns, Clean Code, API, Framework, Deployment…
لكن هذا لا يعني أن الشرح، والنقاش، والتعليم، وكتابة المحتوى المهني يجب أن تكون دائمًا بلغة أجنبية.
يمكننا أن نشرح المفاهيم بالعربية، ونُبقي المصطلح الإنجليزي بجانبه عند الحاجة.
مثلًا:
نمط تصميم — Design Pattern
واجهة برمجية — API
قابلية التوسع — Scalability
قابلية الصيانة — Maintainability
النشر — Deployment
اختبار البرمجيات — Software Testing
معمارية البرمجيات — Software Architecture
بهذه الطريقة لا نعزل أنفسنا عن المصطلحات العالمية، وفي الوقت نفسه لا نقصي لغتنا من مجال علمي وتقني مهم.
اللغة الأجنبية مهمة جدًا في هندسة البرمجيات، ولا يمكن تجاهلها، خاصة في قراءة التوثيق، متابعة المستجدات، والتواصل العالمي.
لكن العربية أيضًا قادرة على تبسيط المفاهيم، تقريب المعرفة، وبناء محتوى تقني مفهوم لجمهور واسع.
إن ما ذكره المهندس يُعد حقاً من أفضل الممارسات المعتمدة لكتابة المنشورات التقنية باللغة العربية، وهو النهج ذاته الذي تطبقه أغلب الكتب الأكاديمية السورية بنجاح. فإرفاق المصطلح الأجنبي مع العربي خطوة جوهرية للحفاظ على ربط الطالب بالمصطلح العالمي المألوف لديه، وفي الوقت نفسه، تمكينه من استيعاب الشرح بلغته الأم. ولقد أثبتت العديد من الدراسات الحديثة أن “التعليم الهجين” يمتلك أفضلية كبرى في مثل هذه الحالات.
ويستمر المهندس في حديثه ليترك لنا تشويقاً من نوع خاص:
المشكلة ليست: عربية أم إنجليزية؟
بل السؤال الأهم:
كيف نستخدم كل لغة في مكانها الصحيح؟
نحتاج الإنجليزية للوصول إلى العالم.
ونحتاج العربية لننقل المعرفة بوضوح إلى محيطنا.
تعريف المصطلحات ليس عيبًا، بشرط ألا يكون تعريبًا جامدًا أو غريبًا.
والاعتماد على المصطلح الأجنبي ليس مشكلة، بشرط ألا يتحول إلى استعراض لغوي يبعد الفكرة عن القارئ.
هندسة البرمجيات لا تحتاج لغة واحدة فقط.
تحتاج وضوحًا، دقة، ومحتوى جيدًا.
والعارية قادرة أن تكون جزءًا من هذا المحتوى.
نلتقي قريبا إن شاء الله
نتمنى أن نلقاك قريباً يا رجل، وشكراً لك على هذا الطرح الثري والقيم. نسأل الله أن يوفق أمتنا لخدمة لغتها، وأتمنى حقاً أن نرى جيلاً صاعداً يحمل قضية التعريب على عاتقه؛ فالضاد كانت لغة علم، ولا تزال قادرة على ذلك.
ومن هذا المنبر، يسعدني أن أعلن للجميع أنني سأطرح قريباً أداة تساهم بشكل عملي في هذا الجانب وتدعم التدوين التقني بيسر وسلاسة. لكل من يهتم بالمشاريع التقنية التي تخدم اللغة العربية، أدعوكم لمتابعتي على قناة تليغرام، حيث أشارك هناك آخر التطورات والأخبار قبل أي مكان آخر.