معادلة الاستمرارية: رحلتي في ترويض العادات وبناء منصة “قياس”.

حسان محمد زروق

مهندس برمجيات

الاستمرارية هي أن تواظب على فعل معين، سواء كان جيداً أو سيئاً. لكن في أغلب الأحيان، عندما أقول لك “تحتاج إلى الاستمرارية”، فنحن نقصد العادات الجيدة؛ أما السيئة فغالباً ما نسميها “إدماناً”.

والسبب في ذلك أن الاستمرارية مرتبطة بنوع من التحدي والمقاومة، بينما الاستمرار على عادة سيئة لا يتطلب أي مقاومة أو تحدٍ، بل تحركه نشوة وسعادة مؤقتة تدفع ثمنها غالياً على المدى الطويل.

من أكثر الأشياء التي ساعدتني على الاستمرارية هي التخطيط. فبدون رسم معالم وجهتك، ستضيع في الغالب ولن ترى النتائج، وهو ما يسبب لك الإحباط والتراجع. لذلك، أطبق فكرة الاستمرارية على ثلاثة مناحي أساسية في حياتي، وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، ركزت عليها بشكل مكثف:

الطبخ

بعض المحاولات – نعم ما تراه الفوق هو الكاراااان 🙂

قد تسألني: لماذا الطبخ تحديداً؟ الطبخ بالنسبة لي من الأمور الأساسية لأنني أهتم بصحتي جداً وأعتبرها من الأولويات. ألتزم حالياً بنظام غذائي قليل السعرات بهدف “التنشيف”، ونجحت بحمد الله في حرق ما يقارب 7 كيلوغرامات حتى الآن، وأسعى بنهاية السنة للوصول إلى الوزن المثالي.

إن الوصول للوزن المثالي لا يعطيك قبولاً شكلياً فحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنتاجيتك وصفاء ذهنك يا صديقي. والحرص على هذا الجانب يقود حتماً إلى الحرص على جودة الأكل، ومن هنا نفهم أهمية تعلم الطبخ. وبالمناسبة، أود أن أشكر “أم وليد” التي ساعدتني وصفاتها كثيراً في إعداد العديد من الأطباق.

الرياضة

أول يوم رجوع بعد إصابة أبعدتني لأسبوعين – الحمد لله

الرياضة ليست مجرد خانة أفرغها من مهامي، بل هي شغف أستمتع به منذ صغري. لكن، من خلال تتبع نمط متكرر في مسيرتي مؤخراً، استنتجت حقيقة لو أنني التزمت بها سابقاً، لتفاديت الكثير من فترات الانقطاع.

اتفقنا أن الاستمرارية هي السر؛ هي ما يبني العضلات ويحافظ على مرونة الجسد وطاقته. أما الركض خلف النتائج السريعة دون احترام إشارات جسدك وحدوده، فسيقودك حتماً إلى نقطة ينهار فيها جسدك.

كلما التفتُّ إلى الوراء لأعرف سبب توقفي عن الرياضة، أجد أن “البطل الدائم” كان الإصابة! إجهاد العضلات فوق طاقتها، أو أداء التمرين بتكنيك خاطئ، كانا يدخلانني في “استراحة إجبارية” تطول أحياناً، وتكلفني خسارة لياقتي واكتساب بعض الدهون. مؤخراً، وتحديداً بعد أشهر من الالتزام، حكم عليّ تمرين واحد خاطئ بالتوقف لأسبوعين كاملين!

هذا الوعي غيّر قواعد اللعبة لدي. سأحرص مستقبلاً على تبني منهجية مختلفة تماماً: العبرة ليست في حجم الوزن المحمول، بل في ديمومة الحركة والاستمرارية. بالنسبة لشخص يقضي ساعات طويلة جالساً أمام الحاسوب، الرياضة ليست رفاهية، بل ضرورة بيولوجية قصوى. الخيار أمامك دائماً: إما أن تمنح جسدك بضع سويعات في الأسبوع بإرادتك، أو ستجبرك الآلام الناتجة عن الخمول على التوقف رغماً عنك.

التعمق التخصصي

توجد قاعدة تسمة T” (T-Shaped Skills / T-Shaped Professional)، وهي واحدة من أهم النظريات الحديثة في التطوير المهني وبناء المسارات الوظيفية، والتي تفصل بدقة بين المعرفة في التطوير المهني، توجد قاعدة شهيرة تسمى “قاعدة T” (T-Shaped Skills)، وهي من أهم النظريات الحديثة في بناء المسارات الوظيفية، حيث تفصل بين نوعين من المعرفة:

  • الضلع الأفقي (—): المعرفة العامة (Breadth) يمثل سعة واطلاع الشخص على مجالات مختلفة متنوعة خارج تخصصه الدقيق. والهدف منه منحك القدرة على التواصل مع التخصصات الأخرى، وفهم الصورة الكبيرة للمشاريع (مثل: أن يفهم المبرمج كيف يفكر مصمم الـ UI/UX أو مسؤول التسويق)، مما يجعلك مرناً وقادراً على حل المشكلات المعقدة.
  • الضلع العمودي (|): المعرفة التخصصية (Depth) يمثل العمق والخبرة الحقيقية في مجال محدد وخاص جداً. وهي “صنعتك” الأساسية والقيمة الفنية العالية التي تقدمها؛ هنا تكمن سنوات خبرتك، كتابتك للأكواد المعقدة، وقدرتك على حل المشاكل المستعصية. وهذا العمق هو السبب الرئيسي الذي يجعل الشركات تدفع لك راتباً كبيراً كخبير.

من أجل تحقيق هذا “التعمق التخصصي” في حالتي الشخصية، احتجت إلى تطوير أداة تقيس ما أتعلمه، معتمداً على الطريقة العلمية المثبتة في علم النفس الإدراكي لتثبيت المعلومات: “التكرار المتباعد” (Spaced Repetition).

تعتمد الفكرة على أن الدماغ، لكي يحفظ المعلومة بشكل دائم، يحتاج إلى مراجعتها في اللحظة التي تكاد تفلت فيها من الذاكرة. وفي كل مرة تفحص نفسك في فترات متباعدة، تزيد قوة الروابط العصبية، ويأخذ منحنى النسيان وقتاً أطول ليسقط.

ولكي تؤتي هذه الطريقة ثمارها، أطبق مفهوم “الاستدعاء النشط” (Active Recall) عبر “نظام صناديق لايتنر” (Leitner System):

  • اليوم الأول (الصندوق 1): تقرأ وتختبر نفسك.
  • بعد 3 أيام (الصندوق 2): إذا أجبت بشكل صحيح تنتقل للمرحلة التالية، وإذا أخطأت تعود للصندوق الأول.
  • بعد أسبوع (الصندوق 3): لتأكيد التثبيت النهائي قبل نقلها للصندوق طويل المدى.

بناءً على هذه النظرية، قمت بتطوير منصة تقنية أسميتها “قياس”، أستخدمها حالياً بشكل شخصي في رحلة تعمقي، وسأتيحها للعامة في الوقت المناسب بإذن الله، ربما مع بداية السنة القادمة.

منصة قياس – قريبا …

الاستمرارية ليست عصا سحرية تغير حياتك بين ليلة وضحاها، بل هي سلسلة من القرارات اليومية الصغيرة والالتزام الصامت في الأيام التي تفتقد فيها الشغف. سواء كنت تتعلم الطبخ لتعتني بصحتك، أو تقاوم إصابات الجسد لتستمر في الرياضة، أو تبني عقلك لبلوغ قمة تخصصك؛ تذكر دائماً أن الإنجازات العظيمة ما هي إلا عادات صغيرة استمرت وكبرت مع الوقت. ابدأ اليوم، خطط لوجهتك، ودع النتائج تتحدث عنك.

Scroll to Top